الخرابشة: على مجلس النواب محاسبة الوزراء وتفعيل صلاحياته الدستورية وإحالة المخالفين إلى القضاء

أكد الوزير والنائب الأسبق محمود الخرابشة أن المرحلة الحالية تتطلب تفعيل الدور الرقابي الحقيقي لمجلس النواب، وعدم الاكتفاء بالدور التشريعي، مشدداً على أن الدستور منح المجلس صلاحيات واسعة لمساءلة الوزراء ومحاسبتهم، وصولاً إلى طرح الثقة وإحالتهم إلى القضاء عند وجود مخالفات أو شبهات تستوجب ذلك.

وقال الخرابشة، خلال استضافته في برنامج "صوتك مسموع" عبر راديو البلد، إن أي حديث عن الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد يبقى ناقصاً إذا لم يمارس مجلس النواب صلاحياته الدستورية كاملة، مضيفاً أن الرقابة البرلمانية الفاعلة تعزز ثقة المواطنين بالدولة، وتحمي المال العام، وترسل رسالة واضحة بأن المنصب العام ليس بمنأى عن المساءلة.

وأوضح أن المادة (51) من الدستور تنص بوضوح على أن رئيس الوزراء والوزراء مسؤولون أمام مجلس النواب مسؤولية مشتركة عن السياسة العامة للدولة، كما أن كل وزير مسؤول بصورة منفردة عن أعمال وزارته، وهو ما يجعل المجلس صاحب الولاية الدستورية في مراقبة أداء الحكومة ومحاسبتها.

وأضاف أن الدستور لم يكتف بمنح النواب حق الرقابة السياسية، بل منحهم أيضاً أدوات قانونية مباشرة، إذ نصت المادة (54) على إمكانية طرح الثقة بالحكومة أو بأي وزير، فإذا قرر المجلس عدم الثقة بالحكومة بالأغلبية المطلقة وجب عليها الاستقالة، أما إذا كان القرار يتعلق بوزير بعينه فيتعين عليه مغادرة منصبه.

وأشار الخرابشة إلى أن صلاحيات المجلس تمتد إلى إحالة الوزراء للقضاء، مبيناً أن المادة (56) من الدستور تعطي مجلس النواب حق إحالة الوزراء إلى النيابة العامة مع بيان الأسباب المبررة لذلك، بينما تنص المادة (57) على وقف الوزير عن العمل إذا اتهمته النيابة العامة إثر قرار الإحالة الصادر عن المجلس، مؤكداً أن استقالة الوزير لا تمنع استمرار ملاحقته قضائياً.

وقال إن هذه النصوص الدستورية تعكس إرادة واضحة في إخضاع السلطة التنفيذية للمساءلة، لكن المشكلة تكمن في ضعف تفعيلها على أرض الواقع، متسائلاً عما إذا كان جميع النواب يدركون حجم الصلاحيات الممنوحة لهم، أو يمارسونها بما يخدم المصلحة العامة.

وأضاف أن بعض أعضاء مجلس النواب لا يستخدمون هذه الأدوات الرقابية، سواء بسبب عدم الإلمام الكامل بها أو نتيجة اعتبارات سياسية وشخصية، معتبراً أن ذلك ينعكس سلباً على أداء السلطة التشريعية وعلى ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة.

تضارب المصالح يحتاج إلى ضوابط صارمة

وفي تعليقه على الجدل الذي أثير مؤخراً حول تضارب المصالح المرتبط بأحد الوزراء، شدد الخرابشة على أن الوزير يجب أن يبتعد عن كل ما يثير الشبهات، وأن يلتزم بالقسم الدستوري الذي يؤديه عند توليه المنصب.

وأوضح أن الدستور يمنع الوزير من شراء أملاك الدولة أو الاشتراك في أعمال تجارية أو مالية أثناء وجوده في المنصب، لكنه فرّق بين استغلال المنصب لتحقيق منافع، وبين وجود نشاط تجاري سابق لأحد أفراد عائلة الوزير قبل تسلمه المسؤولية.

وأكد أن ما لا يجوز هو استغلال صفة الوزير للحصول على عطاءات أو امتيازات أو منافع من الدولة، داعياً إلى وضع ضوابط واضحة تحدد السلوك الواجب على الوزراء، وتمنع أي استغلال للسلطة أو تضارب في المصالح.

كما أبدى استغرابه من الحديث الحكومي الأخير عن إعداد أنظمة تحدد صلاحيات الوزراء، معتبراً أن الدستور ألزم منذ البداية بوضع مثل هذه الأنظمة، إلى جانب مدونة سلوك تنظم الأداء القانوني والأخلاقي للوزراء.

اختيار الوزراء يجب أن يقوم على الكفاءة

وانتقد الخرابشة آليات اختيار الوزراء في بعض الحكومات، معتبراً أن الكفاءة والخبرة والمؤهلات يجب أن تكون الأساس في التعيين، وليس العلاقات الشخصية أو القرب من أصحاب القرار.

وقال إن الأردن يمتلك كفاءات كبيرة في مختلف القطاعات، وكان له دور بارز في بناء مؤسسات العديد من الدول العربية، ولذلك فإن حصر المناصب بفئة محددة أو إعادة تدوير الأسماء نفسها بين الوزارات لا يخدم الدولة ولا يعزز ثقة المواطنين.

وأضاف أن نجاح مسؤول في وزارة معينة لا يعني بالضرورة نجاحه في حقيبة مختلفة، مؤكداً أن التخصص أصبح مطلباً أساسياً في الإدارة الحديثة.

لا تكفي الإقالة عند وجود شبهات فساد

وشدد الخرابشة على أن إقالة الوزير ليست العقوبة الكافية إذا ثبت وجود مخالفات أو استغلال للسلطة، قائلاً إن الإقالة قد تتحول أحياناً إلى مكافأة إذا لم تتبعها مساءلة قانونية.

وأضاف أن كل من تثبت بحقه شبهة فساد أو اعتداء على المال العام أو إساءة استعمال السلطة يجب أن يحال إلى القضاء، لأن القضاء وحده هو الجهة المختصة بإصدار الأحكام وتحديد المسؤوليات.

كما دعا إلى تفعيل نظام إشهار الذمة المالية بصورة أكثر فاعلية، بحيث تتم مقارنة الذمة المالية للمسؤول قبل توليه المنصب وبعد مغادرته له، وعدم الاكتفاء بحفظ الإقرارات إلا في حالات محددة، مؤكداً أن الرقابة الحقيقية تبدأ منذ اليوم الأول لتولي المسؤولية.

النواب مطالبون أيضاً بمراقبة أنفسهم

وأكد الخرابشة أن الرقابة يجب ألا تقتصر على الحكومة، بل تشمل أيضاً مجلس النواب نفسه، مشيراً إلى أن الدستور يمنع النواب من التعاقد مع الحكومة أو المؤسسات العامة بصورة مباشرة أو غير مباشرة خلال مدة عضويتهم.

وقال إن أجهزة الرقابة، وفي مقدمتها هيئة النزاهة ومكافحة الفساد وديوان المحاسبة، مطالبة بأداء دورها في متابعة أي تجاوزات، لكن مجلس النواب مطالب كذلك بممارسة رقابة ذاتية على أعضائه، باعتباره ممثلاً للشعب.

وأضاف أن احترام القسم الدستوري لا يقتصر على الوزراء، بل يشمل جميع أعضاء السلطات الدستورية، وأن الالتزام الحقيقي يبدأ بتطبيق النصوص الدستورية على الجميع دون استثناء.

الإعلام شريك في الرقابة والإصلاح

ورأى الخرابشة أن الصحافة والإعلام يشكلان أحد أهم أدوات الرقابة على أداء السلطات العامة، داعياً إلى توفير البيئة التي تمكن وسائل الإعلام من ممارسة دورها بحرية ومسؤولية.

وأشار إلى أن الدستور كفل حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة، مؤكداً أن الإعلام المهني يساعد في كشف مواطن الخلل ويعزز الشفافية والمساءلة، ولا ينبغي التضييق عليه طالما يعمل وفق القانون والمهنية.

وأضاف أن تمكين الإعلام من أداء دوره يسهم في تصويب الأداء الحكومي والبرلماني، ويعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ويشكل أحد أهم أدوات الإصلاح الحقيقي.