الأونروا: الخصم مؤقت وطارئ لتفادي الانهيار الكامل

أكد المتحدث باسم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، جوناثان فاولر، أن قرار خفض ساعات العمل والرواتب بنسبة 20 في المئة هو إجراء “مؤقت وطارئ” فرضته أزمة تمويل غير مسبوقة، ويهدف حصريًا إلى منع انهيار الوكالة والحفاظ على ولايتها في تقديم الخدمات لملايين اللاجئين الفلسطينيين.

وأوضح فاولر أن القرار جاء بعد إجراء نمذجة مالية مفصلة ودراسات معمقة لتقييم الأثر المحتمل على الموظفين، مشددًا على أن الإدارة تدرك تمامًا حجم الانعكاسات التي سيتركها خفض ساعات العمل وما تبعه من تعديل الرواتب، خصوصًا على المعلمين الذين تعيل رواتبهم أسرًا كاملة. لكنه أشار إلى أن البديل كان سيعني إجراءات أشد قسوة، قد تصل إلى توقف كامل للخدمات الأساسية وتسريح واسع للموظفين.

وبيّن أن الأونروا تضطلع بتفويض فريد يتمثل في تقديم خدمات ذات طابع عام، في مقدمتها التعليم والرعاية الصحية، لنحو ستة ملايين لاجئ فلسطيني في مناطق عملياتها الخمس. وينعكس هذا التفويض على بنيتها الوظيفية، إذ يعمل لديها نحو 30 ألف موظف في المنطقة، ما يجعل بند الرواتب جزءًا أساسيًا من موازنة البرامج. وقال إن حماية الوظائف وصون الخدمات الجوهرية شكّلا أولوية رئيسية في صياغة القرار، في وقت تشهد فيه منظومة الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية عالميًا موجة واسعة من تقليص الوظائف.

عجز يتجاوز 220 مليون دولار

وفي ما يتعلق بالأثر على العائلات التي تعاني أصلًا من ضغوط معيشية، أقر فاولر بأن الإجراء يضيف أعباء جديدة على الموظفين وأسرهم، لكنه شدد على أن الوكالة لم تتخذ القرار باستخفاف. وأوضح أنه رغم إجراءات التقشف وضبط النفقات التي طُبقت خلال عامي 2024 و2025، دخلت الأونروا عام 2026 بعجز في التدفقات النقدية يتجاوز 220 مليون دولار.

وأشار إلى أن جزءًا كبيرًا من موازنة البرامج مخصص لتغطية العمليات الأساسية، بما فيها رواتب الموظفين الذين يضمنون استمرار الخدمات اليومية، ما جعل هامش المناورة لإجراء تخفيضات إضافية دون المساس بكلفة الموظفين محدودًا للغاية.

لماذا خفض موحد بنسبة 20 في المئة؟

ولفت فاولر إلى أن اعتماد نسبة خفض موحدة جاء لضمان العدالة والشفافية واستمرارية العمليات في جميع مناطق العمل. وأقر بوجود فروقات في كلفة المعيشة بين المناطق، وبأن رواتب موظفي الأونروا المحليين ترتبط عادة برواتب القطاع العام في كل منطقة وغالبًا ما تكون أعلى قليلًا، إلا أن العجز المالي الذي تواجهه الوكالة عالمي الطابع، ما استدعى مقاربة شاملة.

وأكد أن النهج الموحد أتاح الحفاظ على الخدمات وتجنب تخفيضات هيكلية أعمق في قطاعات محددة، مثل التعليم الذي يمثل أحد أعمدة عمل الوكالة. وشدد على أن خفض ساعات العمل لا يعكس تراجعًا في الطلب على خدمات الأونروا، بل هو إجراء اضطراري فرضته حدة أزمة التمويل.

كيف تفاقم العجز؟

وكشف فاولر أن الأزمة تفاقمت في عام 2024 بعد تعليق تمويل من مانحين رئيسيين كانا يشكلان نحو ثلث موازنة البرامج المخصصة لرواتب الموظفين الوطنيين. وأوضح أن مساهمات الحكومات المانحة تقوم على أساس طوعي، ما يضع الوكالة منذ سنوات في معادلة صعبة، إذ تقدم خدمات عامة من دون قاعدة ضريبية تمولها ومن دون وضوح كامل بشأن تدفقات التمويل المستقبلية.

وأضاف أن الجهود المبذولة خلال العامين الماضيين أسفرت عن زيادات في مساهمات بعض الدول وأفراد، لكنها لم تكن كافية لسد الفجوة المتنامية. ومنذ ذلك الحين، كثفت القيادة العليا للوكالة اتصالاتها بالدول الأعضاء لشرح حجم الأزمة وتأمين موارد إضافية. وأشار إلى أنه في حال توفر تمويل كافٍ لتغطية عجز موازنة 2026، قد يكون بالإمكان إعادة الخدمات إلى مستوياتها السابقة، غير أن بيئة التمويل العالمية تبقى قاتمة، مع خفض ميزانيات العديد من الجهات الأممية والدول المانحة وتقليص أعداد موظفيها.

إجراءات سبقت القرار

وبيّن المتحدث أن الوكالة استنفدت قبل اتخاذ القرار سلسلة واسعة من إجراءات خفض النفقات، شملت تأجيل مشاريع غير أساسية، وتقليص المصروفات التشغيلية والإدارية، وإعطاء الأولوية المطلقة للخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة. كما لجأت إلى وسائل متعددة لحشد التمويل، لكنها لم تنجح في سد العجز بالكامل، ما جعل خفض ساعات العمل خيارًا أخيرًا بعد استنفاد البدائل الأخرى.

ضمانات ومباحثات مع المانحين

وشدد فاولر على أن الإجراء مؤقت بطبيعته ومرتبط حصريًا بالوضع المالي الراهن، مؤكدًا أن الأونروا تعمل يوميًا لتأمين تمويل يسمح باستعادة ساعات العمل ومستويات الرواتب إلى ما كانت عليه. وأوضح أن الوكالة تجري مباحثات مكثفة مع المانحين على أعلى المستويات، سواء التقليديين أو عبر توسيع قاعدة الدعم، لضمان استمرارية الخدمات.

الموظفون أولًا

وختم فاولر بالتأكيد أن الموظفين يشكلون العمود الفقري للأونروا، وأن القرار صيغ لتحقيق توازن دقيق بين حماية سبل عيشهم والحفاظ على الخدمات التي يعتمد عليها ملايين اللاجئين الفلسطينيين يوميًا. وقال إن خفض ساعات العمل أُقر تحديدًا لتفادي تسريح الموظفين، لأن عدم اتخاذ هذا الإجراء كان سيعرّض الوظائف والخدمات الحيوية، وفي مقدمتها التعليم والرعاية الصحية، لخطر حقيقي.

وأعرب عن أمل الوكالة في ألا تضطر إلى اتخاذ إجراءات تقشف إضافية، مؤكدًا أن الأولوية تبقى لتثبيت الوضع المالي عبر دعم المانحين، لأن القرار اتُّخذ بدافع الضرورة لا الاختيار، لحماية الموظفين وصون الخدمات الأساسية في مرحلة هي الأصعب ماليًا في تاريخ الوكالة.