أكثر ما يقلق الأردن في ما يجري في المنطقة: ضم الضفة والتهجير خط أحمر

قد يبدو غريباً للوهلة الأولى أن يكون الأردن، الذي تعرض خلال الحرب مع إيران لما يقارب 300 صاروخ ومسيرة، أكثر قلقاً من إسرائيل مما هو قلق من إيران. 

لكن قراءة ما يجري من عمّان تجعل الصورة أكثر وضوحاً: الصواريخ الإيرانية يمكن اعتراضها، والحرب مع طهران يمكن أن تنتهي بتسوية سياسية أو تفاهم إقليمي.

 أما إذا تحولت الضفة الغربية إلى مساحة يجري ابتلاعها تدريجياً، وأصبح تهجير الفلسطينيين جزءاً من الواقع السياسي، فسيواجه الأردن مشكلة لا تنتهي بانتهاء الحرب.

هذه هي الفكرة المركزية التي يطرحها أستاذ العلوم السياسية في جامعة تمبل، شون يوم، في مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي" بعنوان "الأردن تخشى إسرائيل لا إيران". يوم، الذي يتابع السياسة الأردنية منذ سنوات، يرى أن الضفة الغربية والاحتمال المتزايد لضمها يمثلان بالنسبة إلى عمّان خطراً وجودياً.

المسألة بالنسبة للأردن لا تبدأ من سؤال: هل ستضم إسرائيل الضفة غداً؟ السؤال الأكثر إلحاحاً هو: ماذا يحدث إذا أصبح تهجير الفلسطينيين نتيجة طبيعية لعملية الضم والاستيطان وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية؟ هنا تتحول القضية من نزاع فلسطيني إسرائيلي إلى قضية أمن قومي أردنية مباشرة.

فالضفة الغربية، بالنسبة للأردن، ليست مجرد أراضٍ محتلة تقع على الجانب الآخر من النهر، بل حدود جغرافية وسياسية وأمنية واجتماعية شديدة الحساسية، وأي تغيير جذري فيها سيصل تأثيره إلى عمّان شئنا أم أبينا. 

تحاول إسرائيل منذ سنوات توسيع المستوطنات وترسيخ سيطرتها على أجزاء واسعة من الضفة، وفي 2026 واصل الأردن التحذير من إجراءات إسرائيلية تهدف إلى فرض السيادة على الأرض المحتلة، معتبراً أن الاستيطان والضم يقوضان حل الدولتين ويغيّران الواقع القانوني والديموغرافي هناك. 

وهذه ليست بيانات دبلوماسية عابرة، ففي عمّان حساب مختلف تماماً.

إذا جرى ضم المنطقة "ج"، التي تشكل نحو 60 في المئة من مساحة الضفة، مع استمرار التوسع الاستيطاني والسيطرة على الموارد والأرض، فقد يجد الفلسطينيون أنفسهم محاصرين في تجمعات سكانية منفصلة. 

وإذا تطور الأمر إلى ضم كامل، يصبح انهيار السلطة الفلسطينية احتمالاً واقعياً، ومعه احتمال نزوح واسع للسكان، والأردن يعرف جيداً ماذا يعني ذلك.

قد تبدو مقارنة أي موجة نزوح فلسطينية جديدة بموجات اللجوء السوري أو العراقي منطقية على الورق، لكنها لا تصف المشكلة الأردنية بدقة.

 فالفلسطيني الذي يُدفع من الضفة إلى الأردن لن يأتي بالضرورة باعتباره لاجئاً ينتظر العودة إلى دولة قائمة. 

إذا انتهت فكرة الدولة الفلسطينية نفسها نتيجة الضم، يصبح السؤال أكثر تعقيداً: أين يعود هؤلاء أصلاً؟

هنا تدخل المسألة في صلب التركيبة السياسية والاجتماعية الأردنية، فالأردن بلد تشكلت هويته عبر موجات متعاقبة من الهجرة والنزوح، وكانت القضية الفلسطينية حاضرة في تركيبته منذ تأسيس الدولة. وصول أعداد كبيرة جديدة من الضفة لن يكون مجرد ملف إغاثي أو إنساني، بل سيطرح أسئلة حساسة حول الجنسية والتمثيل السياسي وسوق العمل والخدمات والموارد وتوازنات القوة داخل مؤسسات الدولة، مع ما يرافق ذلك من ضياع فكرة قيام الدولة الفلسطينية نفسها. 

المسألة إذن ليست إضافة مئات الآلاف إلى عدد السكان، بل تغيير محتمل في قواعد اللعبة، ولهذا يعتبر الأردن التهجير خطاً أحمر.

لا يحتاج الأردن إلى انتظار وصول مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى حدوده حتى يتحرك، مجرد تحويل التهجير إلى سياسة إسرائيلية دائمة يعني أن مشروع الدولة الفلسطينية يُدفن أمام عينيه، وهذا ما يفسر حساسيته الشديدة تجاه ما يحدث في الضفة.

 الموقف الأردني الرسمي يقوم على دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، لكن خلف هذا الموقف القانوني توجد مسألة أكثر قسوة: استقرار الأردن نفسه.

 فإذا أُغلقت نافذة الدولة الفلسطينية وبقيت إسرائيل مسيطرة من البحر إلى النهر، سيجد الأردن نفسه أمام واقع جغرافي جديد على أطول حدوده وأكثرها حساسية.

 وإذا رافق الضم تهجير واسع، فلن يكون الأردن أمام أزمة حدود فقط، بل أمام أزمة داخلية محتملة قد تدفعه إلى إعادة النظر في طبيعة علاقته مع إسرائيل والولايات المتحدة، بحسب حجم التطورات وطبيعتها.

إيران وضعت الأردن في موقف صعب لأنها هاجمت مواقع مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي داخل المملكة، لكن الخطر الإسرائيلي مختلف في طبيعته: إيران تستطيع ضرب قاعدة، أما إسرائيل، إذا مضت في مشروع الضم والتهجير، فتستطيع أن تغيّر شكل المنطقة الممتدة على طول الحدود الغربية للأردن بأكملها الصاروخ يسقط ثم ينتهي أثره، أما تغيير الخريطة فيبقى.

ومع ذلك ظلت عمّان متمسكة بالشراكة الأمريكية طوال الحرب مع إيران، لأنها تحتاج واشنطن عسكرياً واقتصادياً، وتحتاج أيضاً وجودها كقوة قادرة على التأثير في إسرائيل وإدارة الأزمات الإقليمية، لكن هذه المعادلة تصبح أقل راحة إذا بدأت إسرائيل فعلياً بتغيير حدود الضفة أو فرض واقع يجعل التهجير أمراً لا يمكن وقفه.

لفترة طويلة كان استقرار الأردن مصلحة إسرائيلية أيضاً؛ المملكة شكلت منطقة عازلة مهمة بين إسرائيل ومصادر تهديد محتملة من الشرق، ولعبت دوراً في ضبط الحدود ومنع انتقال السلاح والمسلحين بسبب كفاءة الأجهزة الأمنية الأردنية. 

لكن البيئة الإقليمية تغيّرت: إسرائيل أصبحت أكثر قدرة على العمل عسكرياً خارج حدودها، ولديها وجود مباشر في مناطق من سوريا ولبنان وغزة، بينما انتقلت فكرة ضم الضفة من هامش السياسة الإسرائيلية إلى موقع أكثر تأثيراً داخل اليمين، مدفوعة بعوامل أيديولوجية ودينية وسياسية واقتصادية. 

وإذا أصبحت إسرائيل ترى أن السيطرة المباشرة على الأرض أهم من المحافظة على الوضع الإقليمي السابق، فقد تتراجع قيمة الاستقرار الأردني في حسابها. وهذا أسوأ سيناريو يمكن أن تواجهه عمّان.

هناك خطأ في قراءة الموقف الأردني حين يُختزل في سؤال: هل يريد الأردن الحرب مع إسرائيل؟ الأردن لا يريد الحرب، لكن عدم الرغبة فيها لا يعني قبول تغيير جذري في الوضع القائم على حدوده. 

وقّع الأردن معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1994، وأقام معها علاقات دبلوماسية وأمنية واقتصادية، وتحولت الحدود بين البلدين إلى واحدة من أكثر الحدود استقراراً في المنطقة. 

 هذا السلام مرتبط أيضاً باستقرار الضفة الغربية وبقاء أفق سياسي للفلسطينيين، فإذا تحول إلى غطاء لضم الأرض ودفع سكانها إلى الشرق، تصبح المعادلة التي قام عليها موضع اختبار حقيقي.

فماذا يفعل الأردن لو بدأ التهجير فعلاً؟ إلغاء معاهدة السلام، خفض العلاقات أو قطعها، تشديد الحدود، الضغط على واشنطن، تحريك أدوات دبلوماسية ودولية، كلها خيارات يمكن أن تكون على الطاولة. 

 منع موجة بشرية ضخمة من عبور الحدود شيء آخر تماماً، فالأردن يعرف صعوبة إغلاق حدوده أمام فلسطينيين تربطهم علاقات عائلية واجتماعية عميقة مع المجتمع الأردني. 

وهذا تحديداً ما يجعل "التهجير الناعم" خطيراً أكثر من أي سيناريو صادم للترحيل الجماعي: فقد لا تأتي لحظة واحدة تقول فيها إسرائيل "غادروا".

 المسألة تراكمية غالباً؛ مصادرة أرض، توسع استيطاني، هدم منازل، قيود على الحركة، تجفيف فرص التنمية، عنف مستوطنين، إلى أن يُدفع الناس للرحيل بحثاً عن مكان يمكنهم العيش فيه. وحين يغادر مئات الآلاف بهذه الطريقة، يصبح السؤال الدولي "لماذا لم تمنعوهم؟"، بينما يكون السؤال الأردني مختلفاً تماماً: كيف نمنع تحول الأردن إلى المكان الذي تُحل فيه مشكلة إسرائيل الديموغرافية؟

فكرة "الوطن البديل" تعكس هذا الخوف بالضبط. إذا ضُمت الضفة ثم خرج سكانها إلى الأردن، قد ينشأ واقع يقول عملياً إن الفلسطينيين أصبحوا في الأردن بينما أصبحت أرضهم جزءاً من إسرائيل؛ عندها تكون إسرائيل قد حصلت على الأرض، والأردن حصل على السكان. 

وهذا ما لا تستطيع الدولة الأردنية قبوله، لا لأن مشكلتها مع الفلسطينيين الذين يعيشون فيها أصلاً وأصبحوا جزءاً أصيلاً من المجتمع والدولة منذ عقود، بل لأن استخدام الأردن بديلاً عن قيام دولة فلسطينية أمر مختلف كلياً.

الأردن يجد نفسه الآن في أصعب موقع منذ سنوات: إيران تضرب مواقع أمريكية داخل المملكة لأنها تراها جزءاً من البنية العسكرية التي تستهدفها، وإسرائيل تتحرك في الضفة بطريقة يخشى الأردن أن تقود إلى ضم تدريجي وتهجير فلسطيني، والولايات المتحدة التي يعتمد عليها في الأمن والاقتصاد والسياسة هي نفسها القوة المرتبطة بتحالف استراتيجي وعسكري وثيق مع إسرائيل.

 لا يستطيع الأردن ببساطة اختيار طرف وترك الآخر: يحتاج واشنطن لكنه يحتاج أيضاً أن تستخدم نفوذها لمنع تحول الضفة إلى مشروع ضم دائم، يريد علاقات مستقرة مع إسرائيل لكنه لا يستطيع تحمل تهجير الفلسطينيين، يخشى إيران لكنه لا يريد أن تصبح أراضيه ساحة مفتوحة للحرب الأمريكية الإيرانية. هذه ليست دبلوماسية مريحة، بل إدارة مخاطر على مدار الساعة.

قد تتوقف الحرب مع إيران، وقد تعود المفاوضات، وقد تتغير الإدارة الأمريكية، وقد يتراجع التصعيد في الخليج. لكن إذا استمرت إسرائيل في ضم الضفة خطوة بعد أخرى، فإن الواقع الجديد قد يصبح أصعب بكثير من عودة الصواريخ الإيرانية، لأن المملكة لا تنظر إلى الضفة باعتبارها قضية خارجية يمكن التعامل معها ببيان إدانة جديد. حدودها الغربية ليست خطاً على خريطة، وأي تحول ديموغرافي كبير غرب النهر سينعكس في الداخل الأردني سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

لذلك حين يتحدث الأردن عن رفض التهجير، ينبغي قراءة موقفه على مستويين معاً: دفاع عن الفلسطينيين وعن فكرة دولتهم، ودفاع عن الأردن نفسه في الوقت ذاته. و"التهجير الناعم" ربما أخطر من مشهد الترحيل الجماعي الصادم، لأنه يحدث ببطء وبخطوات صغيرة وبذرائع مختلفة، إلى أن يستيقظ الجميع على أن الناس غادروا والأرض بقيت. 

وهذه بالضبط النقطة التي يجب أن تراقبها عمّان أكثر من أي شيء آخر: فضم الضفة، إذا ارتبط بتهجير سكانها، لن يكون مجرد تغيير في ملكية الأرض، بل محاولة لإعادة تعريف حدود الدولة الفلسطينية وتركيبة المنطقة، وربما وظيفة الأردن نفسه.

 عندها تصبح المسألة أكبر من إسرائيل وفلسطين. إنها مسألة تتعلق بمستقبل الأردن.