ذكريات صحفي عاطل عن العمل 

الرابط المختصر

علي ذياب 

أستيقظت اليوم عاطل عن العمل كعادتي منذ أكثر من سنتين حالي كحال معظم الشباب في وطني , جلست أحتسي فنجان قهوتي وأتامل تلك السحب الدخانية التي خلفتها سجائري في المكان من أجل أستكمال الروتين اليومي , وأثناء ذلك قمت بتصفح المواقع الإلكترونية من خلال الهاتف ورؤية هذا الكم الهائل من الأخبار المتشابهة وأنا أشاهد بعض أخبار الرياضة وقليل من أنباء الاغتصاب والكثير من إعلانات الموتى والمواليد عدا عن الصفحات الكاملة لصورنساء نصف عارية لجذب المشاهدين لم يكن كل هذا يجعلني أتشجع واضغط مجرد كبسة لرؤية أي من تفاصيل هذه العناوين غير ذاك الخبر عن أرتفاع نسبة البطالة الى 19.2% أستيقظت الذكرى وعادت بي الى أربع سنوات من الدراسة الجامعية وتلك الأحلام التي رسمتها  في مخيلتي مثل أي شاب في عمري , والأبواب الذي أغلقت في وجهي منذ أن علقت روب التخرج وبدأت رحلتي في البحث عن العمل . 
أذكر تلك الأيام التي كانت ممتلئة في الحماس لبحثي عن عمل يتوافق مع شهادتي الجامعية ,فهي ما زالت عالقة في ذهني بتفاصيلها المشوقة آنذاك والمملة الأن بعد أكثر من مئات المقابلات سواء في تخصصي أو الأخرى بعد أغلاق الجسور المؤدي الى  أحلامي وأحلام أي شاب عاطل عن العمل , بعد هذه المقابلات التي كان يتخللها التعريف بنفسي وشهاداتي والدورات الحاصل عليها والعشرات من الشباب الذين جاؤوا لنفس الهدف "العمل" وكان يفوقنا الجنس اللطيف ذات المؤهلات الجسدية التي تؤخذ بعين الاعتباربدل تلك الاوراق البالية ,وبعد أنقضاء أكثر من ساعة في المقابلة يكون الرد بارد كالثلج " أترك هاتفك وسنتصل بك " , كنت أعود الى المنزل وانظر الى عائلتي التي وهبت كل ما تملك كحال اي عائلة في سبيل ان يتعلم أبنائها وأعينهم يملئها الأمل مخفي خيبتي خلف أبتسامتي , والقي نفسي على فراشي الذي سئم جسدي وأحلامي الساذجة ,وأنا أفكر بفكرة واحدة وهي سوف تبقى مجرد أحلام , الى أن ذهبت في نوم عميق لم يوقظني منه الا صوت بائع الخرداوات في الصباح . 

وصل الحال بي الى البحث عن وظائف بيع الخضراوات ,وحراس أمن ووظيفة كاشير , وإلى ....وإلى .... , المهم الاسترزاق حتى لو لم تكن هذه الوظائف متناسبة مع مكانتي العلمية التي لا توجد في وطني , ومنافسة خريجي الابتدائية والمتوسطة ومزاحمتهم في أرزاقهم كحال معظم خريجي الجامعات فقد بلغ عدد المتعطلين عن العمل من حملة الشهادات الجامعية 25.9%  فقد كانت الحاجة الراغمة لي وللشباب بالقبول بغير المقبول في زمن الفساد , توجهت الى أحدى أصحاب أكشاك القهوة  واتفقت مع صاحبه بدء العمل لديه من اليوم الذي يليه من الساعة السابعة صباحاً الى السابعة مساءً مقابل ثمانية دنانير , أستفقت في اليوم الثاني لكي أبدء عملي وتوجهت الى ذلك الكشك وانا بالطريق أقول هذه الثمانية دنانير لن تحقق لوحة أحلامي ولكن تجعلني أفكر بها دائما والسير نحوها وعدم التوقف ,الى أن وصلت الى مكان العمل وبدأنا التعرف على بعضنا أكثر أنا وصاحب الكشك الى أن رأيت تعابير وجهٌ المنصدمة عند معرفته اني أحمل شهادة الصحافة والإعلام فقام مسرعاً بتغير الموضوع بقوله لي يلا صفط العصير بالثلاجة في الخارج , وبعد عدة أيام من العمل وأصبحنا نعرف بعض أكثر جاء زبون صاحب وجه بشوش وكنت أرتب كراتين الشوكولاتة فقلت لصاحب العمل " مشي الزبون فأنا أرتب البضاعة هنا" ليكون رده الصاعق " أترك يا صحفي الي في أيدك وأعمل كاسة القهوة بسرعة للزبون وهو يضحك  " أعادتني كلمة صحفي الى تعب وسهر أربع سنوات من الدراسة الجامعية وسنة ونصف تدريب في المؤسسات المختلفة وأنا أبتسم وابحث خلف هذه الإبتسامة عن جواب للسؤال الذي يدور في ذهني " أين توافق الشهادة مع طبيعة العمل ؟" . 

كشك قهوة في أحد شوارع الحياة الممتدة تكتشف أن هذا المكان واجهة تعكس أنواع البشر في الحياة ومن طرق تعاملهم تكتشف ان ليس فقط المال هو الرزق فالأخلاق أيضا رزق فيها غني وفقير , وهذا بناءً على ان أحد الأيام وقف رجل وطلب مني كاسة قهوة وباكيت دخان بعد السلام على بكل تواضع وقول لو سمحت يا ابني وبعد أعطائه طلبه قال شكراً جزيلاً لك أيها الشاب المحترم فقلت بنفسي ما أغناك بالأخلاق لا بالمال وأصبح مع مرور وقت قصير صديق لي لا يبهج يومي سوى رؤيته ويسئل عن حالي وأخباري حتى انه اصبح يسئل عن أهلي دون أن يتردد 
ويسعى بالبحث لي عن عمل أفضل على عكس ذلك الرجل الذي كان يأتي فترة الظهيرة وينظر لي بنظرة طبقية عابس الوجه ويقول دون سلام هيا بسرعة أعطيني كاسة قهوة بس قبل أغسل الدلة لاني أقرف ويفضل انك تحط كمامة على فمك لكي لا تنشر البكتيريا , كأني مصاب بمرض معدي أو اني لست بأنسان وأقول في عقلي كم انت فقير أخلاق .
هناك على قارعة الطريق في ذلك الكشك ترى الأمورمن زاوية أخرى تبصر شؤون كانت غائبة عن بصرك , من خلال تعاملك اليومي مع جميع الطبقات تتعلم الكثير من جامعة الدنيا لا جامعة التعليم ربما هذه من أحدى الميزات التي ترافق هذه المهن التي لم تكن لتحصل عليها في الجامعة ,ذات يوم اصطفت أمام الكشك سيارة فارهة ونزل منها امرأتان ومن خلال النظرة الفاحصة لهم و لحديثهم هذه الاحاديث التي أصبحت بمثابة رفيق عمل يسليني تبين لي أنهم يخططون للسهرة المسائية ذات الطابع المكلف غير مهتمين سوى بالترفيه ,لمعة في مخيلتي صورة  ذلك الرجل قبل بضع ساعات عندما أتى وطلب القهوة وكان يتحدث الى أحد أصدقائه عبر الهاتف يريد أن يقترض منه بعض المال ليخرج عائلته بنزهة يخطط لها منذ أكثر من شهرين والدعاء له لقبوله ان يقرضه , فأخذ القهوة وركب سيارته المتهالكة ليكسب الوقت . 

رغم كل الإحباطات التي واجهتها في بيئة العمل مثل الكثير من الشباب ها أنا اليوم صحفي عاطل عن العمل لا عن الأمل , في وطني يجد الشباب أنفسهم محاصرين من جميع الإتجاهات ففي وطني الذي يتسع للفاسدين الذين يرون أحلامنا غيمة سوداء, ولا يتسع  لحلم شاب مثلي في الحصول على مستقبل أمن لا فارهه, , يا وطني نحن الشباب مازلنا نغذي الأمل ونعمل على تجديده وتقويته رغم صراع البقاء القائم ,كل ما نطلبه يا وطني ان تحتضن قطعة من روحنا وهي الأحلام , ويبقى السؤال : لماذا نرى الوطن زنزانة والغربة حرية في حين العكس صحيح ؟

أضف تعليقك