النسيج العاطفي في ديوان «جدائل الورد» للشاعرة نبيلة حمد

الرابط المختصر

يعرف بعض علماء النفس العاطفة على أنها «إظهار المشاعر وكشف ما في القلب من إحساس» هذا التعريف يتضمن بعض الحقيقة، وينفلت عن الحقيقة في مواقع أخرى، فالمشاعر ذلك المنتج الذي يشكل العاطفة، هو منتج إنساني، وهنا علينا أن نفرق بين جانبين ، الجانب الشعوري والجانب الغريزي، فالعاطفة تجمع بين الجانبين، ومثال ذلك عاطفة الأمومة، فهي عاطفة غريزية أهملها التعريف لذا علينا أن نبحث عن تعريف آخر.
وهناك من العلماء من عرف العاطفة على أنها «استعداد نفسي ينزع بصاحبه إلى الشعور بإنفعالات معينة والقيام بسلوك خاص تجاه فكرة أو شيء» وهذا التعريف أيضا يخلط بين الإستعداد والقدرات، فالاستعداد في تعرف علماء النفس، هو البنية النفسية عند الشخص، وقد جمع هذا التعريف بين الاستعداد والبعد النفسي، وعلى صاحب هذا التعريف أن يعرف أن كلاهما واحد، إضافة إلى ربط البنية النفسية والعاطفة بالمدرسة السلوكية، التي تكشف تلك العاطفة وبنيتها النفسية، لأن كوامن النفس لا تظهر كل الانفعالات، وهناك من البشر القادرون على كتم هذه الإنفعالات، لكن البعض أقل قدرة على كبت هذه الإنفعالات والمؤشرات، فتظهر جلية على وجوههم وعلى العينين، وكذلك على حركات الجسم اللاإرادية، إضافة إلى الصوت الذي يشي بكثير من العاطفة، وفي هذا التعريف أيضا لا نستثني الغرائز البشرية، التي ابتعد التعريفان عن ذكرها، مما يقلل من قيمة هذه التعاريف، وعدم قدرتها على الإحاطة بفهم العاطفة، لتكون أول الأسئلة هل العاطفة قلبية أم العاطفة عقلية، وهل هناك من يقول أن العاطفة مشترك عقلي وقلبي، وقد جاء في التعريف العام أن العاطفة «حالة ذهنية كثيفة تظهر بشكل آلي في الجهاز العصبي وليس من خلال بذل جهد مدرك، وتستدعي حالة نفسية إيجابية أو سلبية ولذا يستلزم التفرقة بين العاطفة والشعور».
 سؤالان:
فهل الشعور عاطفة؟
ما الفرق بين الأحاسيس والمشاعر؟
عند الإجابة على هذين السؤالين، نجد المعاجم قد تعاملت بشكل تبادلي بين الأحاسيس والمشاعر، اللتان تكونان العاطفة حسب الحالة الذهنية التي يشكلها الإنسان في مجمل سلوكاته وغرائزه.
والتعريف الأدق للحواس، أنها تلك الحواس الخمسة، وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس، التي تشكل مدخلات حسية، تحتاج إلى معالجة ذهنية، فما الذي ينتج عن المعالجة الذهنية؟
إن الناتج الشعوري والغريزي، هو الناتج لهذه الحواس ومن هذه المشاعر، مشاعر الحزن والألم، التي تمثل عاطفة حزينة أو سالبة كما ورد بالتعريف، وقد تكون المشاعر فيها من الفرح والسعادة والحب والسرور ما يشكل عاطفة إيجابية، لكن المشاعر قد تختلط على الإنسان، فليست السعادة والفرح حالة دائمة، وليس الحزن والهم والغم حالة دائمة، لأن الحالة لغويا هي من تغير الأشياء وتبدلها وتقلبها بين الحزن والفرح، وهذا يقودنا للتعرف إلى النص الشعري في ديوان «جدائل الورد» التي قد تحمل طابعا حزينا بعموميته، لكن لحظات السعادة تتخللها، ولا أدل على ذلك من مفردتي جدائل والورد، فالورد مدرك حسي يشي بشعور السعادة والفرح، وكذلك الجدائل مدرك حسي آخر يشي بعاطفة الجمال، فالأحوال دائمة التغير قليلة الثبات، لكن الشاعر قد يكون أكثر كتابة في حالة الحزن منه في حالة الفرح، لنجد ديوان «جدائل الورد» محملا بمشاعر الحزن التي تغلب في عمومها على مشاعر الفرح، مشكلة القصائد عاطفة يعيد تفسيرها المتلقي، لفهم الحالة النفسية  والشخصية للشاعرة نبيلة حمد.
فما يقوله الشعراء يعبر عن أحاسيسهم، ويستنبت مشاعرهم ويشكل عاطفتهم، وبالتالي فإن الشعر والشعراء، جديلة ورد تشكل عاطفة المجتمع، ونفسيته وروحه وإنفلاتاته وإلتزامه وخروجه عن القيد، فالشاعر بعاطفته الثائرة يطلب الحرية ولا شيء سوى الحرية.
«يا شعر ما لي غير بابك مهجع/ فانا الغريبة والحروف غماري/ ناجيت روحك ان تميت هواجسي/ فسقيت همي كي يحين فراري/ يا شعر إني تائه متبتل/ ما بين هجرك والحياة ناري/ فاكتب لقلبي في جوارك وردة/ تمحو العواصف تكتفي بجواري»
هذا النص الشعري نموذج قدمته الشاعرة، يمثل كثيرا طبيعة العاطفة التي تعيشها الشاعرة، كما تقدم بعض الخيوط، مشكلة لنا نسيجا عاطفيا يساعدها على تفريغ الثقل العاطفي، ويساعد المتلقي على تمثل تلك العاطفة.
فما العلاقة بين التفريغ العاطفي والتمثل العاطفي؟
التفريغ العاطفي حالة إنسانية يعيشها كل فرد في المجتمع، ويعبر الشخص العادي عن عاطفته بالصراخ أو البكاء أو اللعب أو أي وسيلة إنسانية مباشرة، مما يقابله تمثل لهذه العاطفة من الأشخاص الذي يشاركونه تلك الحالة التي يعيشها الإنسان.
أما الشاعر فأداته الشعر، ومداده الحبر ونسيجه القصيدة، يفرغ فيها ما تحمله هذه البواطن بأسلوب أدبي فني رفيع، وهذا الأسلوب ليس فقط للذين عايشوا حالته، بل هو نسيج لكل من قرأ ما كتب عن تلك الحالة شعرا وقصا وغيرها من الأساليب الأدبية أو الفنية التشكيلية والمسرحية وسائر الفنون.
فما الذي يميز المبدع؟
الحالة العاطفية تتشكل عند جميع البشر، بأشكال وحالات سلبية وإيجابية، لكنها حالة يعبر عنها أو هي حالة قابلة للتعبير، فالعاطفة ما يختلج في النفس ويظهر منه على الجوارح، لكن العاطفة كالجبل الجليدي يظهر منها القليل ويختفي من أسرارها الكثير.
والذي يميز الإنسان، قدرته على التعبير، ولإختلاف هذه الدرجات في التعبير الشعري، تختلف القدرة من شاعر إلى آخر في بسط مؤشرات العاطفة الخفية، التي لم تظهر ملامحها على الوجه، لكن الشاعر ذو الحرف المتين المتفاعل مع دواخله يستطيع أن يعبر عن حالته العاطفية بدلالات واضحة.
وهذا النص الشعري قدم لنا مؤشرات عدة:
1- الغربة:
فهي تؤكد بصراحة بأنها الغريبة، وهذا ما يفهمه المتلقي مباشرة «مفهوم الغربة» وربما يصل المتذوق إلى معنى الغربة، والأكثر تذوقا قد يصل إلى طبيعة هذه الغربة، فهل هي غربة النفس أو غربة الروح، أو هي غربة الإنسان عن مجتمعه الذي يعيش فيه، ولا يحسن المجتمع أن يقرأ تلك التعابير والملامح الواضحة والخفية، مما أجبر الشاعرة على القول «فأنا الغريبة والحروف غماري»
2- المناجاة:
ليست الغربة وحدها فعل يمارسه الشاعر في نسيجه العاطفي، أو ينتج عن نسيجه العاطفي، فالمناجاة أسلوب دلالي في التصريح عن هذه الغربة، وذلك النسيج العاطفي، فهل تناجي نبيلة حمد ربها كي تقول أنها استقت من الهموم ما زاد وفاض.
فالمناجاة ود بين إثنين، وكلام خفيت يكاد لا يسمع، والمناجاة تعلق بمن نحب، والحب خيط من خيوط النسيج العاطفي، لتكون لنا الغربة والمناجاة خيوطا في جسد العاطفة، نستطيع أن نقرأ ما خفي في النفس وأظهرته الحروف في شعر نبيلة حمد.
3- الهم:
الهم حالة نفسية واضحة المعالم، لكنها أكثر وضوحا من الغربة، رغم ظهور الملامح على الوجه في كلتا الحالتين، لكن الهم خيط عاطفي كثير التداول، وسهل القراءة على المتلقي، لكن الغربة قد يثقلها الهم فيخلط المتلقي بين الغربة والهم، وهنا يبرز التشكل العاطفي في نسيج من ثلاثة خيوط، حتى تتمكن من القول إن العاطفة تميل إلى الغربة والحزن، فماذا تمدنا الخيوط الأخرى في ديوان «جدائل الورد»؟
4- الهجر:
كثيرا ما يخفي الشاعر ولا يريد أن يبوح بتلك العاطفة، لإحساسه أن العاطفة ملك فردي للإنسان، لكن السؤال أليس الإنسان جزءا من هذا المجتمع، وعاطفة الشاعر هي جزء من العاطفة الكلية للمجتمع، وأحيانا لا يكون الشاعر قادرا على تحمل ذلك الثقل فيبوح ويصرخ في وجه الحياة قائلا:
«يا شعر إني تائه متبتل/ ما بين هجرك والحياة وناري»
فالهجر والحياة المشتعلة حياة حارقة، وليس النار أكثر حرقا من كوامن النفس وأحاديثها وضجيجها وهسهساتها وأنهيارها وصوتها المقتول، لذل تبحث النفس عن حماية نفسها بالصمت والصبر والكتمان، فتتحلى الشاعرة بجدائل الورد لتقول لنا عكس ما تريد أو نفهم منها عكس ما تقصد، هذا يبني علاقة ثنائية جديدة بين الشاعر والمتلقي، فماذا يريد الشاعر وماذا يقصد؟.
5- اختلاط القصد: 
إن الإرادة والقصد يتمثلان مباشرة بقول الشاعرة:
«فاكتب لقلبي في جوارك وردة/ تمحو العواصف تكتفي بجواري»
فالقصد والإرادة عند الشاعرة جاء بألساليب فنية مختلفة، أولها: النداء بقولها: «يا شعر» وهذا الأسلوب أتبعه العرب منذ القديم في النداء للبعيد وللقريب، مع قدرة هذا الأسلوب على التمويه العاطفي بالنداء، فالنداء للبعيد والعاطفة تعيش داخل الشاعر هو أسلوب يغير من قصد الشاعر ليلتفت إلى مكان بعيد، ولا ينظر حيث تسكن العاطفة، وهذه الفنية الأسلوبية إن هي إلا طريقة في الدفاع عن النفس، وأساليب الدفاع عن النفس كثيرة عند الشعراء، فكان النداء خليليّ وإخفاء للعاطفة الجياشة التي يعيشها الشاعر وهو يقف على الأطلال، وربما يقول البعض أن زمن الأطلال قد انتهى، لكن أوكد أن الطلل قد تغير شكله لكنه بقي صامتا ومشكلا لعواطفنا.
وثانيا: اسلوب الدعاء
استخدمت الشاعرة أسلوبا خفيا في الدعاء فقالت: «ناجيت» والمناجاة شكل من أشكال الدعاء، وهو دعاء طويل وأيضا دعاء خفي، ليس أمام الناس بل بينها وخالقها أو من تناجيه على هذه الأرض في سرية وخفاء، ومن أساليب الدعاء أيضا التبتل، فالمناجاة والتبتل، هما أسلوبان روحيان يفسران العاطفة ونسيجها بأدعية خفية، قد لا يسمعها القارئ لكنه يستطيع أن يقرأها بين السطور، وهذه الأساليب تزيد من فنية الشاعر في التعبير عن عاطفته ووجدانه.
وكما استخدمت الدعاء الخفي بقولها: «أن تميت هواجسي» وهذا أسلوب من أساليب الدعاء وكشف العاطفة والوجدان، الذي تحمله الشاعرة بفنية لغوية عندما أضمرت «أرجوك يا الله أن تميت هواجسي» لأن الهواجس هي ظنون النفس السيئة، وهي الخواطر التي تمر على العاطفة، فتزيدها أو تنقصها أو تعيد تشكيل هذه العاطفة بشكل سلبي غالبا  أو إيجابي، فالهواجس غالبا ما تكون سلبية المراد لأن الهواجس يرافقها الخوف وقليلا ما يرافقها الأمل.
 مؤشرات العاطفة:
إن عنوان الديوان مؤشر على العاطفة، وكذلك عناوين بعض القصائد مثل: (قربان شاعرة، همس الحنين، نزف قصيدة، وجد، هجران، لحن الغياب، محض رصاصة، حلم مسجى) لهي عناوين تحمل مضامينها العاطفية في العنوان، ولكن القصيدة أكثر حملا للمشاعر التي تشكل العاطفة، ففي قصيدة «قربان شاعرة» تقول:
«يا شعر من أعطاك مفتاح الجوى/ والروح تهدي للملام أنيني»
فمفردة الجوى وهو الشوق الشديد، وتمال على جوٍ، والتي هي في حالة الإمالة أشد تأثيرا شعوريا من الجوى، والذي لا ينتج عنه إلا الأنين، فقربان الشاعرة يحمله قلب مكلوم بقولها:
«فبقلبي المشطور ألف حكاية/ نادت عليها الحالكات دعيني»
فكيف لهذا القلب المشطور، أن يحمل كل تلك الحكايا في الليالي الحالكات، والوقائع السود، أن لا تنادي بأعلى صوتها اتركوني، لكن السؤال كيف للقلب المشطور، أن يحمل عاطفة سليمة لا يمسها الأذى، وهل العاطفة صادقة في كليتها، وكيف لها أن تثبت على الصدق وهي متألمة مشطورة.
أما في قصيدة «نزف قصيدة» والتي تستهلها بقولها:
«ما للمواجع غافلت بشروعي/ أسلمت قلبي في لقاه لجوعي/ وكأنني لما طربت لوجهه/ لطمت حنيني في الفراغ دموعي»
فهذا النزف ليس نزف قصيدة، إنما نزف الشاعرة التي كتبت هذه القصيدة، والتي نزفتها وهي تحاول أن تجمع مشاعرها في عاطفة إيجابية، إلا أن النزف فاجأها لتعيش حالة من البكاء والدموع، والتي تعبر عن أحوال العاطفة وتقلبها، وعدم ثباتها، رغم محاولتها في البحث عن الفرح، إلا أن الحياة لا تجود بما يحب الشعراء، ففي قصيدة «وجد» حين تخاطبه بقولها: « يا وجد قل لي كيف تغرف في يدي»، فهذا الخطاب بين الشاعرة والوجد، والسؤال التي تبثه سهوتها وملامتها قائلة له: «أو كنت بحرا صاخبا» .
هذه التقنية من الأساليب الرائعة الحوارية، القائمة على السؤال، والاستفسار والتشكيك أحيانا، والبحث عن الواقع ومعرفة الحقيقة، لكن كيف لمتحول مثل الوجد أن نعرف حقيقته، وترد في قصيدتها « جديلة الورد» على كل تلك الأسئلة، عندما تستهل قصيدتها بقولها: «ابدأ أفتش عن جواب» ثم تعود للسؤال «كيف الكتابة عن وتين»، فجديلة  ورد قصيدة تحمل عاطفة الديوان وتحمل من خيوطه الكثير من المشاعر والأحاسيس في شكل أسئبة حارقة ومعذبة بقولها: « لما يا محابر يا مراكب يا عذاب»
لكنها لا تبقى على نفس الحالة في السؤال والجواب بل يصحو شيء في عاطفتها فتحدث الورد قائلة:
«يا ورد/ ما لك كلما نام/ التراب تهزني/ أوما علمت/ بأنني بنت المطر/ سكني السماء/ وعالمي حفق الوتر/ ويموت فيّ الخوف/ إن منحت/ طقوس الليل/ مفتاح القصيدة للوحيدة/ وانزوت نحو الضياع/ هذا المطر/ من يسكب التهميش في أرواحنا/ ويعيد رسم وجوهنا/ تكرارا/ لنكون فوق السطر حينا/ دمعه المسبي حينا/ صوته المبحوح/ إن جاد البعاد بوجدنا/ وببوحنا إصرارا»
 خاتمة:
لا شيء أجمل من البوح، ولا أداة أفضل من التعبير عن العاطفة، ومكونات نسيجها وتقلبات أحوالها، فالعاطفة متغيرة متحولة، متأثرة بما حولها، ومتأثرة بدواخلها، فالشجن يذكي العاطفة، والحب يشعل تلك العاطفة، والهم والحزن نيران تتقد، فكيف لا تكون العاطفة كلمات في بحر القصيدة، تكتبها الشاعرة، وتكتب نفسها في كل ملمح، أو إطلالة، أو إحساس وشعور، تكتبها بغريزة متيقظة، وتعيد صياغة العاطفة بما مضى من مشاعر وتسطرها بما تعيش.
تلك هي العاطفة، وتلك هي الشاعرة نبيلة حمد، العاطفة المتشكلة على شكل أنثى، حين تكتب ذاتها على بحور تنثرها في سطور، علها تموه علينا ما تعيشه، لكنها تعود لنفسها تكتبها وتكتبنا، لنقرأ في ثنايا شعرها نسيجا عاطفيا، لا يبوح به إلا الشعراء.

أضف تعليقك