|
محمد شما

تسير في الطرقات، متجولة بين الأحياء الضيقة والواسعة،
لا يوقفها إلا من يؤشر لها، وستكون جالسا فيها وقربك
راكبين..والمتاح فقط أربعة ركاب ليس أكثر..
وسيارة السرفيس تلك المتجولة بين الطرقات، جاءت مطلع
الخمسينات لتكون وسيلة النقل الأهم بالنسبة للمواطن في
ذلك الوقت، وكان من يركبها "إبن عز" أما الآن فالحال
تغير..فهي متاحة لجميع المواطنين..
وتخدم مناطق محددة لها، ولا يمكن لسائقها سوى التقيد
بمساره، لأن لكل منطقة خطها من السيارات البيضاء فإما
يكون عددها يتجاوز الأربعين أو أقله بقليل..
ويصل عدد "السرافيس" في المملكة إلى 4260 سيارة، حصة
العاصمة منها 3555، مشكلا وسط البلد عصبا مهما في
تمركزها وأماكن انطلاقها إلى المناطق المجاورة، والصورة
اليومية لواقع الحال..أناس يصطفون خلف بعضهم البعض أو
بجانب بعضهم البعض ينتظرون الدور "كل أربعة ركاب بسيارة"
والسيارة تقف تلو الأخرى محملة الناس بأسلوب نظامي لا
تراه في وسائط نقل أخرى.
وسيارة السرفيس وإن استمرت هيئة تنظيم قطاع النقل العام
في توجهها "إلغاء السرفيس لصالح الكوستر" فسيكون الحال
كما وصفه أكثر من سائق قابلناه.."خطير" لأن "السرفيس
سيكون أول ضحية للهيئة" وهي بذلك ستقتل وسيلة نقل مهمة
"وصديقة للمواطنين".. ومدخل الهيئة في ذلك التوجه..
"زيادة السعة المقعدية في وسائط النقل العام وتخفيف عدد
السيارات في العاصمة عمان وبالتالي من كلف الفاتورة
النفطية على الحكومة"..وفق ما قاله مديرها العام هاشم
المساعيد لعمان نت غير مرة.
خسارة
هذه
إذن مبررات الهيئة! أما نقابة السائقين المسؤولة عن حقوق
أعضائها وهمومهم، تؤيد "التوجه" وتشير إلى أنها في العام
1993 -أي قبل 14 عام- أجرت دراسة حول واقع سيارات
السرفيس وجدواها في المملكة، وكانت النتائج.. "لم تعد
صالحة للنقل العام".
ووفقا "للدراسة" فقد أظهرت أن سائق السرفيس يخسر ما
يقارب الدينار وتسعة قروش يوميا، أما حاله اليوم
فالخسارة أكثر بكثير..
السائقون: مواطنون، والمواطنون لهم حقوق، والحقوق على
عاتق الدولة..والدولة مطالبة بمساعدتهم..هذه معادلة
"بسيطة" وسهلة التطبيق، إن ُطبقت، وما الحاجة الآن إلا
لإستراتجية علمية تدرس أوضاع النقل العام والعاملين فيه
في المملكة وقراءة دقيقة لأحوال الخطوط ووسائط النقل
وعلى أن يتضافر جميع المعنيين لأجل إنقاذ "الطرق، النقل،
المرور"، والشرط الأساس أن تكون "قابلة للتطبيق"..
أهمية الدراسة
محمد خوشمان أحد قدماء المستثمرين في النقل العام، لا
يرى المبرر الحكومي مقنعا، "رغم قناعتي بخسارة السائقين
وكل العاملين في سيارات السرفيس، إلا أني أشدد على أهمية
دراسة كل خطوة قد تقوم بها الهيئة والحكومة وكل
الجهات"..
وإذا كان ذلك..فهل يرضى المجتمع بإقصاء السرفيس! -
يتساءل خوشمان- وما الآثار الاجتماعية والاقتصادية على
المواطنين؟ ولحساب من ُتلغى سيارات السرفيس؟ وهل سيكون
الباص فاعلا وبديلا عن السرفيس؟
..يجيب على هذه التساؤلات المحلل ثابت الور، ويقول:
"الدنيا تغيرت، والحال لن يبقى على ما هو عليه، والسرفيس
جزء مهم من النقل العام، والناس اعتادت عليه، ولكنهم في
بلادنا لا يؤمنوا بالنقل الجماعي".
جدلية الفرد والجماعة؟
"ولا يمكننا أن نحل كل المشكلات المرورية إلا بالنقل
الجماعي، فالتنقل بالسيارات الخاصة أمر معيب ومكلف،
والجميع يشعر بضغط المصروف، ومن هذا فعلينا أن نلغيها
لكن ليس بيوم وليلة إنما تدريجيا".
ويوافقه الرأي خوشمان.."المواطن الأردني يحب الخصوصية
جداً، لا يريد أن يركب في باص فيه الكثير من الناس، لا
يريد أن ينتظر أحداً، يُحب أن يكون في سيارة تخدمه
شخصيا"..
عمان جغرافيا: جبال؛ بالتالي فِإن الكثير من الطرق
المؤدية لمناطقها عبارة عن مرتفعات، فهل يمكن أن يحل
"الكوستر" محل السرفيس في ذلك؟
ثقافة..
يقول ثابت: "من الصعب أن يكون الكوستر كما السرفيس، ومن
الصعب عليه أيضا أن يصل إلى بيت الراكب وأيضا ينطبق
الأمر على السرفيس، فلا أحدهما سيصل.. وليس من الضروري
أن يصل إلى بيته، لأن المواطن مطلوب منه المشي..والمشي
ثقافة يجب أن نعززها".
ونعود إلى الشارع، حيث موقف سيارات السرفيس وسط البلد،
تحدثنا مع السائقين، وكانت هذه آراؤهم..
ما
الداعي؟ ما السبب؟
..."السرفيس غير مجدي لي، أجمع آخر النهار 15 ديناراً،
أضع نصفه على البنزين"، "ستون قرشا في أربع ساعات فقط
والبقية عندكم يا إعلام.."، "لماذا يريدون إعدام
السرفيس؟ لماذا يستهدفونه؟ وهل ارتفاع الكلفة النفطية
سببها سيارة السرفيس؟ وهل نعطل المرور إذ ما نقف للركاب؟
وإذا كنا كذلك فماذا عن الباص فهل يعطل المرور أم
لا..أما مهزلة!! وإذا كان الحديث عن التلوث فهل السرفيس
ملوث للبيئة أكثر من الباص العامل على الديزل!!".
السرفيس ملك الطبقة المتوسطة..ولأنه كذلك "فالحكومة غير
راضية عنه" وبالتالي سنتوقع "أن تشطبه عن وجه الأرض"..
النقل ومشاكله "خرج من أطر الرفاهية الذي كان ينظر إليه
دوما" ويقول ثابت الور: "الأعين كلها تتجه نحو النقل
العام، وهو ثاني قطاع مهم بعد قطاع الإنشاءات، بالتالي
لنكن على أهبة الاستعداد لواقع جديد"..
أين
دور أمانة عمان والبلديات؟ يسأل ثابت الور "أهملنا
دورهما وذهبنا إلى التفكير المركزي في أن الهيئة فقط هي
المعني بالأساس، لا، هناك دور للبلديات ودور كبير جداً،
وآن لنا الأوان أن نراجع المهام الموكولة للجهات
الحكومية"..
حق
الاستشارة
من
حق راكب السرفيس أن يقول كلمته، ومن حقه أن يقول "آه أو
لا" لذلك وإن توجهت "الهيئة في قرارها" فعليها مراجعة
واستشارة المواطنين..ألا يستحقوا الاستشارة..
يعبر أحد المواطنين عن استغرابه من نشاطات الهيئة هذه
الفترة، "صدقا، غير متوقع أن تطال أيدي الحكومة السرفيس،
توقعتها أن تطال كل شيء إلا السرفيس، لكن لا مشكلة فهي
تابعة للحكومة والحكومة طالت الخبز والحذاء في السابق"..
وراكب آخر يرى من زاويته أن "أكبر حرام" هو قطع الأرزاق
"وأرزاق السائقين في عنق الحكومة" لذلك "لا تعليق على أي
قرار قد تتخذه بحق السرافيس". في حين آخر يقول إن "وجود
جهة منظمة لجميع السرافيس يزيد من تنظيمها، لا أن تكون
الملكية فردية".
وبكلمة..يقول محمد خوشمان: "هذا القطاع يجب تطويره
وتنظيمه وأن لا يكون ذلك على حساب العاملين فيه،
والبلديات يجب أن تساهم في نهضة السرفيس "..وثابت الور
يوافق خوشمان الرأي، ويقول: "آن الأوان للنظر للواقع
المروري والنقل العام لدينا بأهمية كبرى".
|